الغزالي

37

إحياء علوم الدين

وورده الثالث إلى العصر في عمل العين واليد بالمطالعة والكتابة ، وورده الرابع بعد العصر في عمل السمع ليروح فيه العين واليد فان المطالعة والكتابة بعد العصر ربما أضرا بالعين ، وعند الاصفرار يعود إلى ذكر اللسان ، فلا يخلو جزء من النهار عن عمل له بالجوارح مع حضور القلب في الجميع وأما الليل فأحسن قسم فيه قسمة الشافعي رضي الله عنه ، إذ كان يقسم الليل ثلاثة أجزاء ثلثا للمطالعة وترتيب العلم وهو الأول ، وثلثا للصلاة وهو الوسط الوسطى ، وثلثا للنوم وهو الأخير وهذا يتيسر في ليالي الشتاء والصيف ربما لا يحتمل ذلك الا إذا كان أكثر النوم بالنهار ، فهذا ما نستحبه من ترتيب أوراد العلم الثالث : المتعلم ، والاشتغال بالتعلم أفضل من الاشتغال بالأذكار والنوافل فحكمه حكم العالم في ترتيب الأوراد ، ولكن يشتغل بالاستفادة حيث يشتغل العالم بالإفادة وبالتعليق والنسخ حيث يشتغل العالم بالتصنيف ، ويرتب أوقاته كما ذكرنا وكل ما ذكرناه في فضيلة التعلم والعلم من كتاب معلم يدل على أن ذلك أفضل بل إن لم يكن متعلما على معنى انه يعلق ويحصل ليصير عالما بل كان من العوام فحضوره مجالس الذكر والوعظ والعلم أفضل من اشتغاله بالأوراد التي ذكرناها بعد الصبح وبعد الطلوع وفي سائر الأوقات ففي حديث أبي ذر رضي الله عنه [ 1 ] « إنّ حضور مجلس ذكر أفضل من صلاة ألف ركعة وشهود ألف جنازة وعيادة ألف مريض » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « إذا رأيتم رياض الجنّة فارتعوا فيها فقيل : يا رسول الله وما رياض الجنّة ؟ قال : حلق الذّكر » وقال كعب الأخبار رضي الله عنه ، لو أن ثواب مجالس العلماء بدا للناس لاقتتلوا عليه ، حتى يترك كل ذي إمارة إمارته ، وكل ذي سوق سوقه ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ان الرجل ليخرج من منزله وعليه من الذنوب مثل جبال تهامة ، فإذا سمع العالم خاف واسترجع عن ذنوبه وانصرف إلى منزله ، وليس عليه ذنب فلا تفارقوا مجالس العلماء ، فان الله عز وجل لم يخلق على وجه الأرض تربة أكرم من مجالس العلماء ، وقال رجل للحسن رحمه الله أشكو إليك قساوة قلبي ، فقال ادنه من مجالس الذكر ، ورأى عمار الزاهدي مسكينة الطفاوية في المنام وكانت من المواظبات على حلق الذكر ، فقال مرحبا يا مسكينة فقالت : هيهات هيهات ، ذهبت المسكنة وجاء الغنى ، فقال هيه فقالت : ما تسأل عمن أبيح لها الجنة بحذافيراها ، قال وبم ذلك ؟ قالت : بمجالسة أهل الذكر